يوسف المرعشلي

1573

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولد رحمه اللّه سنة 1246 ه . ولما ترعرع قرأ مبادئ الفقه على سيدي الجد ، وصار يأخذه معه إلى الزاوية الهلالية ، فيحضر معه مجالس الذكر ، وشيخ التكية وقتئذ الشيخ محمد الهلالي ابن الشيخ إبراهيم الهلالي ، وصار يحضر دروس الوعظ والفقه والتصوف على الشيخ محمد المذكور ، ثم على ولده الشيخ إبراهيم ، فنبت نباتا حسنا ونشأ نشأة صالحة ، وصار لديه من الفقه ما يكفيه في أمور دينه ودنياه . وكان سيدي الجد يتعاطى صنعة البصم المسماة بالبصمه جي ، فتعاطى سيدي الوالد هذه الصنعة أسوة بأبيه ، وظهرت عليه أمارات النجابة والحذق فيها ، فسلّمه سيدي الجد وهو في سن العشرين دار طباعته التي كانت ملاصقة لداره في محلة الجلوم ، واعتزل في بيته على العبادة والتلاوة ومطالعة كتب القوم ، فقام سيدي الوالد بإدارة أشغالها وترتيب صناعها والبيع والشراء أحسن قيام ، ثم أذن له أن يتخذ لنفسه دار طباعة على حدة ، وأخذ حانوتا في سوق العبي صار يبيع فيه المناديل المطبوعة ، وصار يجلب من حماة وحمص والشام ما يباع في هذا السوق من البضاعة ، فنمت تجارته في مدة قليلة ، فاشترى سنة 1276 دارا عظيمة في محلة باب قنسرين مشتملة على دارين كبيرة وصغيرة ، باب الصغيرة من زقاق غير نافذ يعرف ببوابة بيت بيازيد ، وباب الكبيرة من بوابة تعرف بنا وهو يقابل الباب الثاني للبيمارستان الأرغوني ، وفي هذه الدار قاعة كبيرة ذات أواوين ثلاثة ، مفروش صحنها بالرخام الأصفر ، وفي الوسط بركة صغيرة ، ويظهر أنه قد مضى على بنيانها نحو 300 سنة ، وفي هذه الدار كانت ولادتي . وفي نواحي سنة 1290 ه صار سيدي الوالد يتجر إلى بلاد الحجاز ، ويأخذ مناديل تسمى دجاج الحبش وملافع أشكالا متنوعة يطبعها في مطبعته ، ويأخذ معه أنواعا من بضائع هذه البلاد مثل البسط والصايات والقصب الذهبي والفضي المعروف بالتيل وهو من مصنوعات حلب « 1 » ، ويأخذ معه أيضا من البضائع الإفرنجية ، يشتري بعضا منها من حلب وبعضا من بيروت ، ويجلب من مكة وجدة الأقمشة والزنانير الهندية والأواني النحاسية والمسك والعطر وأنواع العطارة ، وكان يتوجّه هو سنة وسيدي الأخ الشيخ محمد سنة ، وربما أرسل سيدي العم الشيخ عبد السلام في بعض السنين ، ويستصحب معه أحيانا بعض إخوتي ، واستصحبني معه سنة 1307 ه ، وفي سنة 1308 ه أرسل أخي الحاج عبد القادر وأرسل معه قريبا لنا ، وعادا في الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة 1309 ه ، فخرج سيدي الوالد ومعه بعض أقاربنا وكنت معهم إلى قرية ترمانين لاستقبالهما على حسب العادة المألوفة وقتئذ في استقبال الحجاج القادمين من طريق الإسكندرونة إلى هذه القرية أو قرية تقات وهي قبل تلك القرية ، وعدنا ونحن فرحون مسرورون بوصول أخي ومن معه سالمين ، فما كدنا نصل البيت إلا وظهرت أمارات الإعياء والتعب على سيدي الوالد ، ومرض من ذلك اليوم وظلّ مريضا اثني عشر يوما ولم ينجع معه دواء ، وفي يوم الجمعة في التاسع من شهر ربيع الثاني فارقت روحه جسمه وعمره ثلاث وستون سنة ، فعظم بذلك مصابنا وتبدّلت أفراحنا أتراحا ، ولكن لا مرد لقضاء اللّه ، ولم يسعنا إلا الصبر والاحتساب ، وكانت له جنازة مشهودة ، ودفن في تربة السنابلة ملاصقا لقبر سيدي الجد ، وعمل له الشاعر الأديب عبد الفتاح الطرابيشي أبياتا نقشت على قبره وهي : إلهي ذنوبي أورثتني مذلة * وأنت إلى العاصين بالعفو موجود أتيتك يا مولى البرية كلها * وهل يلف باب غير بابك مقصود فحقّق لظني بالذي أنت أهله * فإنك أهل الفضل والفضل مشهود

--> ( 1 ) صناعة القصب من الصنائع المهمة في حلب ، وقد كان لها أهمية كبرى ورواج عظيم قبل خمسين سنة ، وقد تكلم عليها حبيب مشحور الحلبي في مجلة المشرق في الجلد الرابع في سنة 1901 م في صحيفة 750 في مقالة طويلة ، ذكر أصل دخولها لحلب وكيفية عمل القصب إلى غير ذلك من المعلومات الدالة على مهارة الحلبيين في هذه الصناعة ، فارجع إليها إن شئت .